الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

17

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وفسر أيضا سَوِيًّا بأنه حال من ضمير المخاطب ، أي حال كونك سويا ، أي بدون عاهة الخرس والبكم ، ولكنّها آية لك اقتضتها الحكمة التي بيّناها في سورة آل عمران . وعلى هذا فذكر الوصف لمجرد تأكيد الطمأنينة ، وإلا فإن تأجيله بثلاث ليال كاف في الاطمئنان على انتفاء العاهة . [ 11 ] [ سورة مريم ( 19 ) : آية 11 ] فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 11 ) الظاهر أن المعنى أنه خرج على قومه ليصلي على عادته ، فكان في محرابه في صلاة خاصة ودعاء خفي ، ثم خرج لصلاة الجماعة إذ هو الحبر الأعظم لهم . وضمن خرج معنى طلع فعدي ب عَلى كقوله تعالى : فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ [ القصص : 79 ] . والمحراب : بيت أو محتجر يخصص للعبادة الخاصة . قال الحريري : فمحرابي أحرى بي . والوحي : الإشارة بالعين أو بغيرها ، والإيماء لإفادة معنى شأنه أن يفاد بالكلام . و ( أن ) تفسيرية . وجملة سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا تفسير ( لأوحى ) ، لأن ( أوحى ) فيه معنى القول دون حروفه . وإنما أمرهم بالتسبيح لئلا يحسبوا أن زكرياء لما لم يكلمهم قد نذر صمتا فيقتدوا به فيصمتوا ، وكان الصمت من صنوف العبادة في الأمم السالفة ، كما سيأتي في قوله تعالى : فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [ مريم : 26 ] . فأومأ إليهم أن يشرعوا فيما اعتادوه من التسبيح ؛ أو أراد أن يسبحوا اللّه تسبيح شكر على أن وهب نبيئهم ابنا يرث علمه ، ولعلهم كانوا علموا ترقبه استجابه دعوته ، أو أنه أمرهم بذلك أمرا مبهما يفسره عندما تزول حبسة لسانه . [ 12 - 14 ] [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 12 إلى 14 ] يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( 12 ) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا ( 13 ) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا ( 14 ) مقول قول محذوف ، بقرينة أن هذا الكلام خطاب ليحيى ، فلا محالة أنه صادر من قائل ، ولا يناسب إلّا أن يكون قولا من اللّه تعالى ، وهو انتقال من البشارة به إلى نبوءته . والأظهر أنّ هذا من إخبار القرآن للأمة لا من حكاية ما قيل لزكرياء . فهذا ابتداء ذكر